محمد حسين هيكل
184
حياة محمد ( ص )
غنموا خمسمائة بعير أخرج النبي خمسها وقسم الباقي فأصاب كلّ رجل بعيران . وبلغ محمدا أن جمعا من بني ثعلبة ومحارب بذي أمرّ قد تجمعوا يريدون أن يصيبوا من أطرافه . فخرج عليه السلام في أربعمائة وخمسين من المسلمين ، فلقي رجلا من ثعلبة فسأله عن القوم ، فدلّه الرجل على مكانهم وقال له : إنهم يا محمد إن سمعوا بمسيرك هربوا في رؤس الجبال ، وأنا سائر معك ودالّك على عورتهم . فما لبث المغيرون حين سمعوا باقتراب محمد منهم أن فرّوا فوق الجبال . وبلغه أن جمعا كبيرا من بني سليم ببحران تهيئوا لقتاله ؛ فخرج في ثلاثمائة رجل فأغذّوا السير ، حتى إذا كانوا دون بحران بليلة لقيهم رجل من بني سليم ؛ فسأله محمد عنهم فأخبره أنهم تفرّقوا وعادوا أدراجهم . وكذلك كان هؤلاء الأعراب في فزع من محمد وفي قلق على مصيرهم . ما يكادون يفكرون في الكيد لمحمد وفي السير لملاقاته حتى تخلع قلوبهم لمجرد سماعهم بسيره لملاقاتهم . فزع اليهود وفي هذه الأثناء وقع مقتل كعب بن الأشرف على نحو ما قدّمنا ، فأصاب اليهود كذلك من الفزع ما جعلهم يلزمون دورهم لا يخرج أحد منهم مخافة أن يصيبه ما أصاب كعبا . وزاد في فزعهم أن أهدر محمد دماءهم بعد الذي كان من أمر بني قينقاع مما أدّى إلى حصارهم . فجاؤوا إلى محمد يشكون إليه أمرهم ويذكرون له مقتل كعب غيلة بلا جرم ولا حدث علموه . فكان جوابه لهم : إنه آذانا وهجانا بالشعر ولو قرّ كما قرّ غيره ممن هو على مثل رأيه ما أصابه شرّ . وبعد حديث طال بينهم دعاهم إلى أن يكتب معهم كتابا يحترمونه . وخافت اليهود وذلّت وإن بقي في نفسها من محمد ما بدا من بعد أثره . قريش تسلك طريق العراق إلى الشام ماذا تصنع قريش بتجارتها إلى الشام وقد أخذ محمد عليها طريقها ؟ إن مكة تعيش من التجارة ، فإذا لم تجد الوسيلة إليها تعرّضت لشرّ ما تتعرّض له مدينة مثلها . وهذا محمد أراد حصارها والقضاء في نفس العرب على مكانتها . وقف صفوان بن أميّة يوما في قريش وقال لهم : « إن محمدا وأصحابه قد عوّروا علينا متجرنا ، فما ندري كيف نصنع بأصحابه وهم لا يبرحون الساحل وأهل الساحل قد وادعوهم ودخل عامّتهم معه فما ندري أين نسكن . وإن قمنا في دارنا هذه أكلنا رؤس أموالنا فلم يكن لها من بقاء . وإنما حياتنا بمكة على التجارة إلى الشام في الصيف وإلى الحبشة في الشتاء » . قال له الأسود بن عبد المطلب : تنكب الطريق على الساحل وخذ طريق العراق . ودلّه على فرات بن حيّان من بني بكر بن وائل يدلهم على الطريق . وقال لهم فرات : طريق العراق ليس يطؤها أحد من أصحاب محمد ، فإنما هي أرض نجد وفياف . لم يخف صفوان الفيافي أن كان الفصل شتاء وحاجتهم إلى الماء قليلة ، وتجهزّ صفوان من الفضة والبضائع بما قيمته مائة ألف درهم . وكان بمكة حين تدبير قريش خروج تجارتها يثربيّ ( هو نعيم بن مسعود الأشجعيّ ) عاد إلى المدينة وجرى على لسانه ذكر حديث قريش وما صنعت لأحد المسلمين . فأسرع هذا فنقل الخبر إلى محمد . وما لبث النبيّ أن بعث زيد بن حارثة في مائة راكب اعترضوا التجارة عند القردة ( ماء من مياه نجد ) ففرّ الرجال وأصاب المسلمون العير ؛ فكانت أوّل غنيمة ذات قيمة غنمها المسلمون ، وعاد زيد ومن معه ؛ فخمّسها محمد وقسم ما بقي على رجاله . وجيء بفرات بن حيّان فعرض عليه أن يسلم لينجو ، فأسلم ونجا . زواج النبي من حفصة بنت عمر هل اطمأن محمد بعد هذا كله إلى أن الأمر قد استقر له ؟ هل خدعه يومه عن غده ؟ وهل خيّل له فزع القبائل منه وما غنم من قريش أن كلمة اللّه وكلمة رسوله قد إطمأنت ولم يبق للخوف عليها محلّ ؟ وهل جعله